السيد محمد باقر الصدر
479
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
خطّ طويل . وهكذا تصبح القضية الأوّلية الأصيلة هي القضية القائلة : « إنّ الصدفة النسبية لا تتكرّر باستمرار » بدلًا عن القضية القائلة : « إنّ الحديد يتمدّد بالحرارة » . وتتحوّل كلّ القضايا التجريبية إلى قضايا ثانوية مستدلّة ومستنتجة . فهناك - إذن - موقفان للمنطق الأرسطي : موقف بدائي يعتبر القضية التجريبية قضية أوّلية ، وموقف معمّق يعتبرها مستدلّة ومستنتجة من القضية القائلة : « إنّ الاتفاق لا يكون دائمياً » . أمّا الموقف المعمّق للمنطق الأرسطي ، فقد درسناه في القسم الأوّل من هذا الكتاب ، وبرهنّا هناك على أنّ القضية التي حسبها المنطق الأرسطي قضيّةً أوّليةً وأساساً منطقياً للقضايا التجريبية ، ليست في الحقيقة قضيّة أوّلية مستقلّة عن التجربة ، بل هي بدورها قضية تجريبية ، وما دامت قضية تجريبية فلا يمكن أن تشكّل الأساس المنطقي للقضايا التجريبية ككلّ . وهذا لا ينافي أن تكون هذه القضية أساساً منطقياً لقضايا تجريبية في مراحل متأخّرة من الفكر التجريبي ، بمعنى أنّنا إذا توصّلنا بالتجربة إلى التصديق بالقضية القائلة : « إنّ الصدفة النسبيّة لا تتكرّر باستمرار » أمكننا أن نجعل منها قاعدة نرتكز عليها في استنباط قضايا تجريبية أخرى . ولكنّا حينما نأخذ القضايا التجريبية ككلّ ، لا يمكن أن نجعل من تلك القضية الأساس الاستدلالي لها جميعاً ، بعد أن ثبت أنّها ليست إلّاواحدة من تلك القضايا التجريبية . فالموقف المعمّق للمنطق الأرسطي خاطئ . وأمّا الموقف البدائي للمنطق الأرسطي - الذي يعتبر القضية التجريبية أوّلية ويرفض كونها مستدلّة ومستنتجة من القضايا المحسوسة التي تكوَّن منها الاستقراء لصالح تلك القضية التجريبية - فهو موقف خاطئ أيضاً .